الآلوسي
9
تفسير الآلوسي
ومنه طلب أوس وطأها المكنى عنه بيريدني عن نفسي ، وذكر ذلك له عليه الصلاة والسلام أهم لها من ذكرها إياه ليوسف بن عبد الله بن سلام . وأجيب من جهة القائل : بأنه الوطء عن الأخير بأن المراد من الآية عند ذلك القائل من قبل أن يباح التماس شرعاً ، والوطء أولاً حرام موجب للتكفير - وهو كما ترى - ونقل عن الثوري . ومجاهد أن معنى الآية والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول المنكر فقطعوه بالإسلام ، ثم يعودون لمثله فكفارة من عاد أن يحرر رقبة ثم يماس المظاهر منها ، فحملا العود والقول على حقيقتهما ، وفي اعتبار العادة دلالة على أن العدول إلى المضارع في الآية للاستمرار فيما مضى وقتاً فوقتاً ، وأخذ القطع من دلالة * ( ثم ) * على التراخي ؛ وليصح على وجه لا يلزم تعليق وجوب الكفارة بتكرار لفظ الظهار كما سيأتي إن شاء الله تعالى حكايته . وتعقب ذلك بأن فيه أن الاستمرار ينافي القطع ، ثم إنهم ما كانوا قطعوه بالإسلام لأن الشرع لم يكن ورد بعد بتحريمه ، وظاهر النظم الجليل أنه مظاهرة بعد الإسلام لأنه مسوق لبيان حكمه فيه ، وعليه ينطبق سبب النزول وهو يقتضي أن يكون مجرد الظهار من غير عود موجباً للكفارة ، وهو خلاف ما عليه علماء الأمصار ؛ وأجيب عن هذا الأخير بأنهما إن نقل عنهما ذلك اجتهاداً فلا يلزمهما موافقة غيرهما وهو المصرح به في كتاب " الأحكام " . وغيره ، وإن لم ينقل عنهما غير تفسير العود في الآية بما أشير إليه ، فيجوز أن يشترطا لوجوب الكفارة شيئاً مما مر لكن لا يقولان : إنه المراد بالعود فيها ، وقال أهل الظاهر : المعنى الذين يقولون هذا القول المنكر ثم يعودون له فيكررونه بأن يقول أحدهم : أنت علي كظهر أمي ثم يعود له ويقوله ثانياً فكفارته تحرير رقبة الخ فحملوا العود والقول على حقيقتهما أيضاً . وروي ذلك عن أبي العالية . وبكير بن عبد الله بن الأشج . والفراء أيضاً ، وحكاه أبو حيان رواية عن الإمام أبي حنيفة ، ولا نعلم أحداً من أصحابه رواه عنه ، وتعقب بأنه لو أريد ذلك لقيل : يعودون له فإنه أخصر ولا يبقى لكلمة * ( ثم ) * حسن موقع ، هذا ولا فقه فيه من حيث المعنى ، والمنزل فيه - أعني قصة خولة - يدفعه إذ لم ينقل التكرار ، ولا سأل عنه صلى الله عليه وسلم ، وهذا الدفع قوي ، وأما ما قيل : فقد أجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون الفقه فيه أنه ليس صريحاً في التحريم فلعله يسبق لفظه به من غير قصد لمعناه ، فإذا كرره تعين أنه قصده وأن العدول عن له إلى * ( لما قالوا ) * لقصد التأكيد بالإظهار ، وأن العطف - بثم - لتراخي رتبة الثاني وبعده عن الأول لأنه الذي تحقق به الظهار ، وقول الزيلعي في الاعتراض عليه : إن اللفظ لا يحتمله - لأنه لو أريد ذلك لقيل : يعيدون القول الأول بضم الياء وكسر العين من الإعادة لا من العود - جهل ناشىء من قلة العود لكلام الفصحاء والرجوع إلى محاوراتهم ، وقال أبو مسلم الأصفهاني : معنى العود أن يحلف أولاً على ما قال من الظهار بأن يقول : والله أنت علي كظهر أمي وهو عود لما قال وتكرار له معنى لأن القسم لكونه مؤكداً للمقسم عليه يفيد ذلك فلا تلزم الكفارة في الظهار من غير قسم عنده ، وهذا القول إلغاء للظهار معنى لأن الكفارة لحلفه على أمر كذب فيه ، وأيضاً المنزل فيه يدفعه إذ لم ينقل الحلف ولا سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأصل عدمه ، وقيل : عوده تكراره الظهار معنى بأن يقول : أنت عليّ كظهر أمي إن فعلت كذا ثم يفعله فإنه يحنث وتلزمه الكفارة ، وتعد مباشرته ذلك تكريراً للظهار وليس بشيء كما لا يخفى ، وأما تعليق الظهار فقد ذكر الشافعية أنه يصح لأنه لاقتضاء التحريم كالطلاق والكفارة كاليمين وكلاهما يصح تعليقه ، فإذا قال : إن دخلت الدار فأنت عليّ كظهر أمي فدخلت ولو في حال جنونه أو نسيانه صح لكن لا عود عندهم في الصورة